 |
|
لم يكن ذلك اليوم عادياً بالنسبة لاهالي طرابلس. فلقد استفاقوا على خبر مفاده ان مديرية المخابرات في الجيش اللبناني داهمت محلاً يملكه جودت خوجة بعد أن أوقفته بتهمة التعامل مع "الموساد" الإسرائيلي. كان خبر القاء القبض على خوجة يسري في الشارع الطرابلسي كالنار في الهشيم، وسرعان ما انتشر الخبر بين الناس الذين رفضوا تصديق ما يحصل، فجودت خوجة عرف عنه الطيبة والاخلاق الحميدة، وكان رجلا يتمتع بعلاقات جيدة مع الجميع، فكيف يكون ذلك الرجل الطيب "شريراً" الى هذه الدرجة؟
تسأل هذا السؤال فتاة صغيرة في مقتبل عمرها تعرف "العمو جودت" عن كثب، لكنها تسارع الى القول: اذن هل كان يمثّل علينا جميعاً، وهل كان هذا الحمل الوديع يخفي وراءه عميلاً اسرائيلياً؟!
ولكن صدمة الطرابلسيين لم تدم طويلاً، وأملهم في أن يكون العميل جودت بريئاً ذهب سدىً، فلقد صادرت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني تقنيات عالية و متطوّرة قادرة على الاتصال بالطائرات حتّى ولو كانت من دون طيّار، بالاضافة الى جهازى كومبيوتر محمولين، كان أحدهما موصولاً بصحن لاقط، فضلاً عن مصادرة سيارتين من نوع مرسيدس، وذلك في محله المعد لبيع قطع سيارات الـ "بي أم دبليو" الواقع في شارع الحرية قرب مسجد طينال.
وكشفت المعلومات ان العميل جودت يملك تقنية جديدة وغير مسبوقة، ولا تشبه أياً من التقنيات السابقة التي كانت توجد بحوزة العملاء السابقين، وكان جودت وأثناء تنقله في أي مكان يقوم بربط جهاز خلوي بكومبيوتر محمول وأحياناً جهازي كومبيوتر أحدهما ثابت في السيارة والثاني محمول، وينتهي دوره عند حدود تنفيذ عملية الربط حيث يبدأ الاسرائيليون بالحصول على المعلومات التي يريدونها.
ولكن الغريب بالنسبة للطرابلسيين ان العميل جودت كان قد بدأ بالعمل مع الاسرائيليين في العام 2000، وذلك حسب اعترافه أمام المحققين، وكان طيلة هذه الفترة ينتقل بصورة دورية من بيروت الى قبرص، حيث التقى هناك بعدد من الضباط الاسرائيليين الذين كانوا يزودونه بتقنيات ويحصلون منه على ما يريدون من معلومات لقاء مبالغ مالية طائلة.
اذن عشر سنوات مرت ولم يستطع احد ان يلحظ اي شيء غير طبيعي بالنسبة لجودت، فهو بنظرهم يعمل ليل نهار ويكد ويتعب من اجل تأمين مستلزمات حياته، صحيح ان حالته المادية جيدة ولكن الجميع كان يعتقد انه يستأهل، كيف لا وهو الذي يمضي وقته كله في العمل، حسب ما يقول جيرانه، اذ يبقى جودت في محله حتى وقت متأخر من الليل يعمل على جهاز الكمبيوتر المحمول. وكان الناس يقصدونه من مناطق بعيدة لان لديه تقنيات لتصليح السيارات لا تتوفر عند احد غيره، كما انه يستعمل الكمبيوتر لمعرفة العطل في السيارة لذلك لم يسأل أحد يوماً عن سبب تواجد الكمبيوتر المحمول بشكل دائم مع جودت.
وبالطبع كان جودت يجول في كل المناطق اللبنانية بحكم عمله وطبعاً بما في ذلك مناطق
الجنوب والضاحية الجنوبية، وبشكل شبه يومي، وذلك بحجّة شراء أو بيع قطع غيار السيّارات.
يتخوف الطرابلسيون من أن يكون العميل جودت قد استطاع توفير معلومات كاملة عن مدينتهم وعن مراكزها الدينية وانشطتها وأعلامها وجمعياتها الاسلامية، ويستغربون كيف استطاع الموساد تجنيد عميلهم الطرابلسي وكيف استطاعوا التغرير به والاستفادة "من خدماته" طيلة عشرة أعوام.
العملاء: تبت يدهم؟!
الشارع الطرابلسي يشعر بالغضب الشديد حيال ما أقدم جودت خوجة على فعله وخيانته لوطنه وبلده، ويثني على الجهود التي بذلتها مديرية المخابرات في الجيش اللبناني بالقاء القبض على العملاء، خصوصاً بعد كشف عدد من المتهمين بالتعامل مع العدو الصهيوني في الاونة الاخيرة، وقد طالبوا بإنزال عقوبة الاعدام بكل من تعامل مع العدو الاسرائيلي لكي يكون عبرة لمن لا يعتبر.
وقال المواطن محمد المصري: "لم نكن نتوقع يوماً ان يتم القاء القبض على عميل من طرابلس، لذلك لم نصدق بداية الامر ما حصل واعتقدنا ان هناك خطأ ما لكننا اليوم نطالب بمعاقبته اشد العقاب لما اقترفت يداه، لان التعامل مع الصهاينة خط احمر لا يمكن أن نغفر لصاحبه اطلاقاً.
...هم الشياطين؟
وتساءلت وردة اسماعيل قائلة: كيف يستطيع العملاء ان يبيعوا وطنهم وشعبهم ويتسببوا بقتل مئات الابرياء من الناس ويساهموا في تدمير بلدهم وشن الحروب على ارضهم؟ انني اعتبر ان هؤلاء العملاء هم شياطين على الارض يجب التعامل معهم بقسوة شديدة وانزال اشد العقوبات بهم وصولاً الى عقوبة الاعدام.
طرابلس مدرسة الوطنية
اما ابراهيم مرعي فاعتبر ان طرابلس طيلة تاريخها الطويل اثبتت نضالها ضد العدو الصهيوني وهي المدينة العروبية الاولى والقلعة الحصينة للاسلام والمسيحيين ولا ترضى ان يكون بينها عميل شرب من مائها وترعرع بين شوارعها، وهذا الامر لا ينطبق على العميل جودت بل على كافة العملاء الذين تم القاء القبض عليهم.
القاتل يقتل؟!
في حين قالت ايمان س انه كان يجب على الدولة اللبنانية ان تقوم بإعدام كل من يتعامل مع العدو الصهيوني في الباحات العامة وعلى مرأى من الناس حتى يخشى كل من تسول له نفسه التعامل مع الموساد، فالانسان الذي يقوم بقتل انسان علينا ان نحكم عليه بالقتل لان القاتل يقتل، فكيف اذا كان هذا الانسان يتسبب بقتل مئات الناس ويتسبب بانهيار بلده وتدميره؟
طرابلس تنبذه وترفضه؟!
الكلام ذاته عبّر عنه احمد العبد الله ولكنه حاول ان يخرج بتحليلات اخرى، فهو يعتبر في قرارة نفسه ان جودت وأمثاله قد ساهموا في تدمير لبنان في حرب تموز الاخيرة ولا سيما في منطقة عكار الذي ضربها العدو الصهيوني، وقال: كنا اثناء الحرب نتساءل عن امكانية اسرائيل في معرفة ادق التفاصيل عن مناطقتنا وعن الجسور وخرائطها، لذلك يمكن لجودت ولأمثاله ان يكون قد اعطى هذه التفاصيل للعدو الصهيوني، وقال ان العميل هو عميل لا دين له ولا طائفة ولا مدينة او منطقة، لذلك طرابلس والشمال ترفضه وتنبذه وتطالب بإنزال أشد العقوبات به وإعدامه على مرأى من الناس لانه لا يمكن لشخص مثله ان يشوه اسم المدينة التي احتصنت اسماء شهداء ذهبوا فداء للوطن وللقضية العربية والقضية الفلسطينية.