العدد  507 . 19 - 11 - 2018

هل يتفق الافرقاء اللبنانيين على رئيس للجمهورية قريباً؟
نعم
سنبقى في حالة الفراغ
لا أعلم

   النتائج

PAGE1

PAGE2

PAGE3

PAGE4

PAGE5

PAGE6

PAGE7

PAGE8

PAGE9

PAGE10

PAGE11

PAGE12

 

 

الرئيس الاستقلالي الأول ينهزم أمام الفساد وتحت الضغط الشعبي في سابقة تاريخية: بشارة الخوري يقدم استقالته بعد ثلاث سنوات من ولايته الثانية ويعين حكومة انتقالية

لم يعرف لبنان حالات إستقالة رؤساء الجمهورية إلا نادراً نظراً لطبيعة النظام اللبناني الطائفي وعدم السماح بتجاوز الخطوط الحمراء والإخلال بالتوازنات، فكل موقع رئاسي محمي طائفياً ومذهبياً، والاقتراب منه، حسب منظور السياسة المحلية، خط أحمر، ولذلك لم يشهد التاريخ السياسي اللبناني استقالة رئيس للجمهورية تحت الضغوط، حتى ان الرئيس كميل شمعون رفض الاستقالة في عز ثورة 1958 وانقسام البلاد، واشترط ان يبقى حتى آخر يوم في ولايته، وكذلك حال الرئيس سليمان فرنجية الذي لم يستجب لطلب 61 نائباً (أكثرية الثلثين) بالاستقالة زمن حرب السنتين (1975 و1976) رغم الدم والدمار وخطوط التماس وانقسام الجيش، وبالكاد وافق على انتخاب الرئيس الياس سركيس قبل 5 أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية. كما ان الرئيس أمين الجميل لم يفعلها ويستقل رغم الحرب والخلافات والانقسامات عام 1988، ومثله الرئيس إميل لحود الذي لم يستقل عام 2005 رغم الضغط السياسي والشعبي وتهديد قوى 14 آذار باقتحام القصر الجمهوري، وبقي حتى انتهاء ولايته الممددة. وحده الرئيس بشارة الخوري استقال في منتصف ولايته الممددة بعد ثلاث سنوات رغم أنه كان أول رئيس للجمهورية اللبنانية بعد الاستقلال، وانتخب في 21 أيلول 1943، واعتقل مع أركان الحكومة في 11 تشرين الثاني من ذلك العام عندما حاول أن يلغي من الدستور المواد التي كانت تتناقض مع هذا الإستقلال، وزجته سلطات الانتداب الفرنسي مع الرئيس رياض الصلح والوزراء كميل شمعون وعادل عسيران وسليم تقلا والنائب عبد الحميد كرامي في قلعة راشيا، وعينت بدلاً منه إميل إده، فثارت البلاد على ذلك، مما أكره الفرنسيين آخر الأمر على الإفراج عنهم والاعتراف باستقلال لبنان بعد 11 يوماً، ليكون يوم 22 تشرين الثاني 1943 عيداً للاستقلال.

الخوري يمدد والمعارضة تواجهه
واستمر الخوري في ولايته المفروض ان تنتهي في 21 أيلول 1949 إلا أنه قرر التمديد لولاية ثانية خاصة بعد انتخابات 25 أيار 1947 التي ضمن من خلالها الأغلبية لتعديل الدستور، على اعتبار ان الدستور يمنع التمديد أو التجديد أو ترشح الرئيس مرة أخرى، رغم ان هذه الانتخابات وصفت بالمزورة بعدما أشرف عليها سليم الخوري شقيق الرئيس الذي كان يكنى بـ"السلطان سليم"، حيث أدت الى فوز 70 نائباً للعهد و7 للمعارضة فقط، لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت في تمديد هذا المجلس للرئيس بشارة الخوري لولاية ثانية في جلسة عقدت يوم 27 أيار من العام 1948. وأقر هذا المجلس قانوناً جديداً للانتخاب في أوائل العام 1950، حيث جرت الانتخابات في نيسان من العام 1951 وخاضتها المعارضة موحدة لاسيما في الشوف بعد اجتماع كميل شمعون وكمال جنبلاط في لائحة انتخابية واحدة اشترك فيها معهم غسان تويني وشفيق الحلبي وفضل الله تلحوق وراجي السعد وإميل بستاني وأنور الخطيب وسالم عبد النور تحت شعار "لا شرعية للولاية الثانية" بعد الانتخابات النيابية "المزورة" في 25 أيار 1947. كما توحدت المعارضة في "الجبهة الاشتراكية الوطنية" وضمت الحزب التقدمي الاشتراكي، الكتلة الوطنية، وحزب الوطنيين الأحرار وبعض المستقلين، وأذاعت بيانها الأول في أيار، وعمدت الى التصعيد في وجه الحكم من خلال مهرجان جماهيري ضخم في دير القمر يوم 13 آب 1952، حيث تحدث في هذا المهرجان كميل شمعون وحميد فرنجية وعادل عسيران وأنور الخطيب وغسان تويني وعبدالله الحاج، وإميل بستاني وآخرون، وتلا كمال جنبلاط المقررات التي دعت الى إسقاط الرئيس وإعلان الحرب المفتوحة ضده.
وعلى أثر المهرجان، أُعلن يومان من الإضراب الشامل في بيروت وطرابلس وصيدا وصور وزحلة وبعلبك وراشيا وجبيل وجبل لبنان في استفتاء للمعارضة التي رفعت شعار الحملة على "الفساد والمفسدين" واتهامها رئيس الجمهورية بـ"الجنوح بالحكم نحو الديكتاتورية".
وأصدر رئيس الحكومة سامي الصلح السابق بياناً توجه فيه الى الشعب مطالباً بحكومة مؤقتة قوية مزودة كل الصلاحيات، وللإفساح في المجال أمام رئيس الجمهورية بتزود الراحة والاستجمام بناء على رغبته التي أبداها في مناسبات رسمية، فيما زار شمعون وعبدالله اليافي وكمال جنبلاط وحميد فرنجية وبيار اده وأنور الخطيب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب وأبلغوا إليه قرار الجبهة وحلفائها، وطالبوه بحياد الجيش في الصراع، فرد بالقول ان الجيش ليس ضد اللبنانيين، والمسألة سياسية ولا علاقة للجيش بها.

استقالة الخوري وتعيين فؤاد شهاب رئيساً للحكومة
وتطورت الأمور، فقدم صائب سلام استقالته بعد أربعة أيام من تكليّفه بتشكيل الحكومة، فقبلها بشارة الخوري وأصدر مرسوماً فجر 18 أيلول عيّن بموجبه قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً للحكومة، فيما صدر مرسوم آخر بتأليف الحكومة برئاسة فؤاد شهاب ومعه ناظم عكاري وباسيل طراد، على ان تكون هذه الحكومة انتقالية وبرئاسة ماروني، حتى قدم الخوري استقالته الى رئيس مجلس النواب أحمد الأسعد، ليخلو قصر القنطاري في بيروت من ساكنه، ويتم انتخاب منافسه كميل شمعون رئيساً بعد يومين فقط ويبدأ عهد جديد.

وأقرّ بشارة الخوري فيما بعد بالندم على قبول التجديد في لحظة ضعف، واصفاً إياه بأكبر ضربة نزلت بوقار الحكم الوطني والحياة النيابية في لبنان. وتحدث عن مقابلة بينه وشمعون عام 1948، وقال: "اجتهدت ان أجعل الجو ملائماً، إلا ان الحديث كان ذا شجون. ولمست من خلاله ان خيوط الماضي قد تقطّعت، وان الزائر منصرف بقواه نحو الانتقاد اللاذع. ينظر الى الحسنات فيجسمها سيئات، والى السيئات فيتمسك بها دون سواها ويتجاهل أو ينكر الحسنات، متناسياً أنه اشترك في الحكم منذ اليوم الأول حتى أربعة أشهر خلت، وبيّنت له بعض أخطائه فلم يعترف بها وأراد ان يبررها. بقيت الثقة بيننا بعيدة سواء من الوجهة الشخصية أم من الوجهة العامة، وما كنت لأنكر ان الطموح الشخصي أمر طبيعي ومشروع. وددت أن أصل ما انقطع بيننا فلم أفلح وأسفت للعقبات التي وضعها في طريق التفاهم".
كما اتهم الرئيس بشارة الخوري في كتابه "حقائق لبنانية" الرئيس سامي الصلح بأنه تواطأ مع المعارضين أثناء الإضراب العام لإسقاطه وهو يقول بهذا الشأن: "وأكبر دليل على تواطؤ سامي الصلح مع المعارضين أنه اجتمع بأعضاء الهيئة الوطنية وحزب الاتحاد اللبناني، وبدلاً من أن يثنيهم عن تقديم المذكرة الإنذارية شجّعهم عليها، وبعد تقديمها طلب إليّ أن استقبل وفدهم الذي حملها إلي فاستقبلتهم، وحضر الحديث، وقد انحصر طلبهم بأن تستقيل الوزارة القائمة وتخلفها وزارة أخرى بالاتفاق معهم على أن يرئسها سامي بعينه، وكان من الطبيعي أن أرد هذا الطلب المستكبر وأن لا أقبل التنازل عن صلاحيات الرئاسة لأي كان من الناس، فيما يروي سامي الصلح أنه انتظر جلسة مجلس النواب يوم 9 أيلول 1952 للنزول الى البرلمان، بعد خلافه العاصف مع الرئيس الخوري ويقول:
"كان على الحكومة أن تواجه فيه المجلس، فطلبت من إميل لحود، وزير المال، أن يدلي ببيان شامل يعدد فيه ما حققته الحكومة من أعمال. كما طلبت منه أن يعلن في ختام بيانه ان رئيس الحكومة سيلقي بدوره على النواب بياناً آخر، يتناول فيه شؤون السياسة بوجه عام. ولا شك أنه لو علم سلفاً ما كان سيحدث، لما كان وهو الوزير الموالي الحاذق قد وافق على الإدلاء ببيانه. إلاّ أني حرصت على ألاّ يطلع أحد على الخطاب الذي أنوي إلقاءه سوى الشخص الذي أمليته عليه، وهو الصحافي نور الدين المدور، في مقهى طانيوس في عاليه. ومنذ ذلك الحين وبعد آخر جلسة لمجلس الوزراء، انقطعت كل الصلات بيني وبين الرئيس الخوري، وفيما كان هو (الخوري) يسعى لتأليف حكومة جديدة بالاتفاق مع هنري فرعون، كنت أعدُّ العدة لمواجهة البرلمان قاطعاً بذلك كل أمل بالوصول الى تسوية. إلاّ أن المعارضين، وتحديداً غسان تويني وإميل بستاني، كانوا يتوقعون انفجار الأزمة في البرلمان. ولا يزال بعض سيّئي النيّة يشيعون كذباً وخبثاً أني كنت قد أعددت خطابين. قيل إنني وضعت واحداً في الجيب الأيمن والآخر في الجيب الأيسر، الأول لمصلحة العهد والثاني ضدّه.أما الحقيقة، وبعد أن وصلت الأمور الى طريق مسدود بيني وبين الرئيس الخوري، فإنني لم أكن أحتاج سوى لخطاب واحد، ألا وهو الخطاب الذي ألقيته بعد البيان الذي تلاه الوزير لحود، ويعتبر أقسى وأعنف بيان صدر عن رئيس حكومة ضد رئيس الجمهورية دوّى في قاعة المجلس النيابي منذ تأسيسه.

خطاب سامي الصلح ضد العهد
ومما قاله الصلح في خطابه: "حضرات النواب المحترمين، لقد استمعتم الى البيان الوزاري الذي أعدّه مجلس الوزراء وفيه الأعمال التي قامت بها الحكومة منذ اضطلاعها بالمهام، ومما لا شك فيه أن ثمة نقمة وتذمراً وشكوى عامة من حالة الفساد والطغيان تعانيها أجهزة الدولة منذ أمد بعيد، ولم يكن لنا يدٌ فيها ولسنا نحن المسؤولين عن نشوئها واستمرارها، بل هي نتيجة الاستهتار بالقوانين والتطاول على هيبة النظام وتسخير مرافق الدولة ومصالحها لحساب الأفراد الذين يعملون من وراء الستار، غير مقيمين حرمة للقيم الدستورية.. أجل، لقد قررت أن أضع يدي على ضميري أستوحيه وأستلهمه لأشخّص الداء الذي استحكم والمرض الذي استشرى.. لقد أردنا، أيها السادة، أن نحقق مثلنا الأعلى في الحياة فأرادونا الضحية على مذبح شهواتهم وليس هذا بغريب، فذاك دأبهم وذاك ديدنهم.. مِمَّ الشكوى أيها السادة؟ الشكوى من التدخلات غير المشروعة، التي تفسد سير الإدارة وتسخّرها لمآرب المتنفذين غير المسؤولين.
كثيراً ما كنت أطلب الوزراء والمديرين العامين والموظفين لأجتمع إليهم فلا أجدهم في مكاتبهم بسبب وجودهم في القصر الجمهوري وهكذا ترون ان الحكم مجزّأ بين القصر والسراي. إن أرباب النفوذ الذين يحكمون ولا يُسألون يتدخلون في كل شاردة وواردة، ويطلبون من بعض القضاة أن ينهجوا مسلكاً يطابق سياستهم ويخدم مآربهم الحزبية على حساب العدالة والقانون... والويل كل الويل للذين لا يتقيّدون برغباتهم ومشيئتهم... أردنا تطبيق القانون فحاربونا لأننا أردنا ان نطبّق القانون القاضي بمنع المقامرة والتهريب... وقد تصدّينا للذين أمعنوا في استغلال الدولة.
حاربونا... لأن مواقفنا هذه تقطع عليهم الرزق الحرام... حاربونا لأننا أردنا أن نضع قانون من أين لك هذا موضع التنفيذ، ونحقق في مصادر ثروات الذين لم يكونوا ليملكوا شروى نقير. حاربونا لأننا حفظنا لأرباب الصحافة كرامتهم وغضبنا للاعتداءات المتكررة على الصحفيين وحملة الأقلام الحرّة... إنهم يريدون ان يكون رئيس الوزراء آلة طيّعة بأيديهم لتنفيذ مآربهم وتحقيق مطامعهم... حاربونا لأننا أردنا ان نحكم ونعيد الحكم الى السراي... أن نعيده الى الوزراء ورئيس الوزراء، فقامت قيامتهم علينا ودبّروا المؤامرات في الغرف السوداء للحيلولة دون تحقيق الإصلاح المنشود... مم الظلم والاستبداد؟ تتعالى الأصوات متذمرة من الفساد، فساد الحكم، فساد الأخلاق، ولكن مم الفساد؟.
لقد حاولوا أن ينالوا من سمعتنا ليحوّلوا ألسنة الناس عن تناول سمعتهم... أين بيوتنا العادية من قصورهم الشامخة؟. أين ديوننا من أرصدة الذين أثروا على حساب الشعب؟ أين جيوبنا الفارغة وكواهلنا المثقلة بالديون من أموالهم؟.في هذا الجو الموبوء، كيف تريدون منّا أن نستمر في هذا الحكم الذي عانت منه معظم الحكومات؟. وكيف تريدون ان يتحقق إصلاح ونجاح إذا لم تستأصل العلّة القاتلة وتقتلع جذورها؟. أكتفي بالتوجه الى العناية الإلهية ضارعاً إليها ان تحفظ لبنان من أعدائه الداخليين وتحميه من مكائد الأشرار والمفسدين- اللهم، آمين".
على كلٍّ، استقال بشارة الخوري تحت الضغط الشعبي والنيابي، وترك السلطة وعاش بقية حياته في منزله إلى وفاته عام 1964 وكان يردد عند سؤاله عن تللك المرحلة عبارة غدت مثلاً شعبياً هي "الحق على الطليان"، حيث كان يقصد الإنكليز الذين دفعوا الجيش للوقوف على الحياد وكانوا يؤيدون انتخاب كميل شمعون، الذي كان سفير لبنان في لندن، رئيساً للجمهورية.




 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية   l    صباح الخير   l    مقالات   l    زوايا   l    تحقيقات   l    شؤون محلية

شؤون لبنانية   l    قضايا ساخنة   l    مشاهد وآراء   l    صرخات في واد   l    مذكرات

من كعب الدست   l    مقتطفات   l    إنسان في ذاكرتي   l    إستراحة

حول البيان   l    إتصل بنا   l    الإشتراكات   l   فضاء البيان

 

مساحة حرة لإستقبال آراءكم وأفكاركم حول أي موضوع أو حدث... شارك