فساد النظام السياسي في لبنان لا يوصف. فمعظم السياسيين عندنا لا يحللون ولا يحرّمون، وهم مستعدون أن يحرقوا البلد إذا كان احراقه يثبّت مواقعهم في السلطة، ويحافظ لهم على امتيازاتهم الفئوية او الطائفية او المذهبية. مَنْ منهم لم يجعل الإصلاح والإنماء خبزه اليومي وشعاره السياسي، إلا أن الإصلاح لا يأتي ابداً عن طريقهم، والانماء لا يولد ابداً من رحم تطلعاتهم، وكل ما في الأمر أن هذا الاصلاح يبدأ حلماً يستهوي النفوس، وسرعان ما تتألب عليه القوى من كل جهة، فتعمل على تجويفه ومسخه وإفراغه من محتواه، ثم تبادر هذه القوى الى الاطباق على خناقه فيصبح الاصلاح أثراً بعد عين، وتعود حليمة الى عادتها القديمة.
تحدثوا عن تعيينات إدارية شفافة ونزيهة مقياسها الكفاءة لا المحاصصة. وبعد أخذ ورد،وجدل ونقاش، توارت قصة التعيينات خلف الكواليس مرة واحدة، ولم يعد أحد يذكرها بكلمة، وأغلب الظن أن النظام السياسي اللبناني الفاسد الذي لم تتغير عقليته، ولم تتبدل مفاهيمه، سيلجأ مجدداً الى المحاصصة بشكل أو بآخر، لأن أكثرية فرسان السياسة في بلدنا حريصون على احترام قواعد اللعبة التقليدية التي ترتاح الى الازلام والمحاسيب اكثر من ارتياحها الى الضمائر النزيهة و النماذج الكفوءة المخلصة لدولتها ولشعبها.
الشعب اللبناني ملّ الإنتظار طويلاً خلف القضبان. لا كهرباء ولا ماء ولا سدود لتجميع المياه ولا نقل مشتركاً ولا سكك حديدية، ولا طرقات صالحة ولا حماية للبيئة، ولا مجابهة لمافيات المحروقات والدواء، ولا مواجهة للفساد الإداري، بل كل يوم خطابات وتصريحات ما أنزل الله بها من سلطان، وكلها لا تعدو أن تكون كلاماً بكلام سرعان ما تذروه الرياح.
البمطلوب من الحكومة التي تمثل كل لبنان، كما يقولون، أن تبدأ جدياً بحل مشاكلنا المتراكمة منذ عدة سنوات. فدور أي حكومة في العالم أن تحل مشاكل مواطنيها وترفع عنهم الضيم، وتحقق لهم رغباتهم. فإذا عجزت الحكومة عن أداء وظيفتها وممارسة دورها، فإنها تخلي الساحة لمن يكون أقدر منها على اداء هذه المسؤولية. ولكننا في لبنان نشكل حكومات تظل محكومة بالصراعات والخلافات المستمرة، فلا هي تشتغل، ولا تزيح عن درب الذين يقدرون أن يشتغلوا، وتظل أمورنا تراوح مكانها، والزمن يسبقنا والإنجازات تضيع من بين أيدينا.
الشعب اللبناني يقول لكم يا أصحاب المقامات ويا أهل المرجعيات السياسية ويا زعماء القبائل الطائفية والمذهبية: حلوا لنا مشاكلنا..والا فحلوا عن ظهرنا وارحمونا واتركونا نواجه أقدارنا بأنفسنا.